الملك المنصور ابو عامر الجزء الاخير

مارس 17th, 2008 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

((غزوة شنت ياقب))

غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب قاصية غليسية وأعظم مشاهد النصارى الكائنة ببلاد الأندلس وما يتصل بها من الأرض الكبيرة وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا وللكعبة المثل الأعلى فيها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد رومة وما وراءها ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب الجواري أحد الاثنى عشر وكان أخصهم بعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم يسمونه أخاه للزومه إياه وياقب بلسانهم يعقوب وكان أسقفا ببيت المقدس فجعل يستقري الأرضين داعيا لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها وله مائة وعشرون سنة شمسية فاحتمل أصحابه رمته فدفنوها بهذه الكنيسة التي كانت أقصى أثره ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها ولا الوصول إليها لصعوبة مدخلها وخشونة مكانها وبعد شقتها فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وهي غزوته الثامنة والأربعون ودخل على مدينة قورية فلما وصل إلى مدينة غليسية وافاه عدد عظيم من الفوامس المتمسكين بالطاعة في رحالهم وعلى أتم احتفالهم فصاروا في عسكر المسلمين وركبوا في المغاورة سبيلهم وكان المنصور تقدم في الأندلس وجهزه برجاله البحريين وصنوف المترجلين وحمل الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة استظهارا على نفوذ العزيمة إلى أن خرج بموضع برتقال على نهر دويره فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه فعقد هنالك من هذا الأسطول جسرا بقرب الحصن الذي هنالك ووجه المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو ثم نهض منه يريد شنت ياقب فقطع أرضين متباعدة الأقطار وقطع بالعبور عدة أنهار كبار وخلجان يمدها البحر الأخضر ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارش وما يتصل بها ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعر لا مسلك فيه ولا طرق ولم يهتد الأدلاء إلىسواه فقدم المنصور الفعلة الجديدة لتوسعة شعابه وتسهيل مسالكه فقطعه العسكر وعبروا بعد وادي منيه وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين أريضة وانتهت مغيرتهم إلى دير قسطان وبسيط بلنبو على البحر المحيط وفتحوا حصن شنت بلاية وغنموه وعبروا سباحة إلى جزيرة من البحر المحيط لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي فسبوا من بها ممن لجأ إليها وانتهى العسكر إلى جبل مراسية المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط فتخللوا أقطاره واستخرجوا من كان فيه وحازوا غنائمه ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجا في معبرين أرشد الأدلاء إليهما ثم نهر أيلة ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة كثيرة الفائدة ثم انتهوا إلى موضع من أقاصي بلادهم ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما فغادروا المسلمون قاعا وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان فوجدها المسلمون خالية من أهلها فحاز المسملون غنائمها وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيما كأن لم تغن بالأمس وانتسفت بعوثه بعد ذلك سائر البسائط وانتهت الجيوش إلى جزيرة شنت مانكش منقطع هذا الصفع على البحر المحيط وهي غاية لم يبلغها قبلهم مسلم ولا وطئها لغير أهلها قدم فلم يكن بعدها للخيل مجال ولا وراءها انتقال وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون ليسقريه عا
المزيد


ابن أبي عامر وغالب الناصري الجزء الثاني

مارس 17th, 2008 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

ابن أبي عامر وغالب الناصري

وأما غالب الناصري فإنه حضر مع ابن أبي عامر في بعض الغزوات وصعدا إلى بعض القلاع لينظرا في أمرها فجرت محاورة بين ابن أبي عامر وغالب فسبه غالب وقال له يا كلب أنت الذي أفسدت الدولة وخربت القلاع وتحكمت في الدولة وسل سيفه فضربه وكان بعض الناس حبس يده فلم تتم الضربة وشجه فألقى ابن أبي عامر نفسه من رأس القلعة خوفا من أن يجهز عليه فقضى الله تعالى أنه وجد شيئا في الهواء منعه من الهلاك فاحتمله أصحابه وعالجوه حتى برئ ولحق غالب بالنصارى فجيش بهم وقابله ابن أبي عامر بمن معه من جيوش الإسلام فحكمت الأقدار بهلاك غالب وتم لابن أبي عامر ما جد له وتخلصت دولته من الشوائب .

ابن أبي عامر والمؤيد
قالوا ولما وقعت وحشة بين ابن أبي عامر والمؤيد وكان سببها تضريب الحساد فيما بينهما وعلم أنه ما دهي إلا من جانب حاشية القصر فرقهم ومزقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به أو عجز عنه ثم ذكر له أن الحرم قد انبسطت أيديهن في الأموال المختزنة بالقصر وما كانت السيدة صبح تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة فيها الذهب والفضة وموهت ذلك كله بالمري والشهد وغيره والأصباغ المتخذة بقصر الخلافة وكتبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك أنه ليس فيها إلا ما هو عليها وكان مبلغ ما حملت فيها من الذهب ثمانين ألف دينار فأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة وأن في إضاعتها آفة على المسلمين وأشار بنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيه فحمل منها خمسة آلاف ألف دينار عن قيمة ورق وسبعمائة ألف دينار .

وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال ولم تمكن من إخراجها فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام واعترف له بالفضل والغناء في حفظ قواعد الدولة فخرست ألسنة العدا والحسدة وعلم المنصور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له إذ كان منهم من لم يره قط فأبرزه للناس وركب الركبة المشهورة واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى وكانت عليه الطويلة والقضيب في يده زي الخلافة والمنصور يسايره .

ثم خرج المنصور لآخر غزواته وقد مرض المرض الذي مات فيه وواصل شن الغارات وقويت عليه العلة فاتخذ له سرير خشب ووطئ عليه ما يقعد عليه وجعلت عليه ستارة وكان يحمل على أعناق الرجال والعساكر تحف به وكان هجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها وأيقن بالموت وكان يقول إن زماني يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح فيهم أسوأ حالة مني ولعله يعني من حضر تلك الغزاة وإلا فعساكر الأندلس ذلك الزمان أكثر من ذلك العدد .

واشتغل ذهنه بأمر قرطبة وهو في مدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته وخلا بولده وكان يكرر وصايته وكلما أراد أن ينصرف يرده وعبد الملك يبكي وهو ينكر عليه بكاءه ويقول وهذا من أول العجز وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي أبو ذكوان فدخلها أول شوال وسكن الإرجاف بموت والده وعرف الخليفة كيف تركه وفاة المنصور بن أبي عامر.

أخبار في سيرة المنصور

وفي المنصور أيضا قال بعض مؤرخي المغرب مازجا كلامه ببعض كلام الفتح بعد ذكر استعانته ببعض الناس على بعض وذكر قتله لجعفر ابن علي فقال بعده ما صورته ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر هل من مبارز فلما لم يجده حمل الدهر على حكمه فانقاد له وساعده فاستقام أمره منفردا بمملكة لا سلف له فيها ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قط في حرب شهدها وما توجهت عليه هزيمة وما انصرف عن موطن إلا قاهرا غالبا على كثرة ما زاول من الحروب ومارس من الأعداء وواجه من الأمم وإنها لخاصة ما أحسب أحدا من الملوك الإسلامية شاركه فيها ومن أعظم ما أعين به مع قوة سعده وتمكن جده سعة جوده وكثرة بذله فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان وأول ما اتكأ على أرائك الملوك وارتفق وانتشر عليه لواء السعد وخفق حط صاحبه المصحفي وأثار له كامن حقده الخفي حتى أصاره للهموم لبيسا وفي غيابت السجن حبيسا فكتب إليه يستعطفه بقوله:

هبني أسأت فأين العفو والكرم إذ قادني نحوك الإذعان والندم

يا خير من مدت الأيدي إليه أما ترثي لشيخ رماه عندك القلم

بالغت في السخط فاصفح مقتدر إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا

فما زاده ذلك إلا حنقا وحقدا وما أفادته الأبيات إلا تضما ووفدا فراجعه بما أيأسه وأراه مرمسه وأطبق عليه محبسه وضيق تروحه من المحنة وتنفسه :

الآن يا جاهلا زلت بك القدم تبغي التكرم لما فاتك الكرم

أغريت بي ملكا لولا تثبته ما جاز لي عنده نطق ولا كلم

فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا

نفسي إذا سخطت ليس براضية ولو تشفع فيك العرب والعجم

وكان من أخباره الداخلة في أبواب البر والقربة بنيان المسجد الجامع إلى أن قال ومن ذلك بناؤه قنطرة على نهر قرطبة الأعظم ابتدأ بناءها المنصور سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة وفرغ منها في النصف من سنة تسع وسبعين وانتهت النفقة عليها إلى مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار فعظمت بها المنفعة وصارت صدرا في مناقبه الجليلة وكانت هنالك قطعة أرض فيها فحضر الشيخ عندهم فساوموه بالقطعة وعرفوه وجه الحاجة إليها وأن المنصور لا يريد إلا إنصافه فيها فرماهم الشيخ بالغرض الأقصى عنده فيما ظنه أنها لا تخرج عنه بأقل من عشرة دنانير ذهبا كانت عنده أقصى الأمنية وشرطها صحاحا فاغتنم الأمناء غفلته ونقدوه الثمن وأشهدوا عليه ثم أخبروا المنصور بخبره فضحك من جهالته وأنف من غبنه وأمر أن يعطى عشرة أمثال ما سأل وتدفع له صحاحا كما قال فقبض الشيخ مائة دينار ذهبا فكاد أن يخرج من عقله وأن يجن عند قبضها من الفرح وجاء محتفلا في شكر المنصور وصارت قصته خبرا سائرا .

ومن ذلك أيضا بناء قنطرة على نهر إستجة وهو نهر شنيل وتجشم لها أعظم مؤنة وسهل الطريق الوعرة والشعاب الصعبة .

ومن ذلك أيضا أنه خط بيده مصحفا كان يحمله معه في أسفاره يدرس فيه ويتبرك به ومن قوة رجائه أنه اغتنى بجمع ما علق بوجهه من الغبار في غزواته ومواطن جهاده فكان الخدم يأخذونه عنه بالمناديل في كل منزل من منازله حتى اجتمع له منه صرة ضخمة عهد بتصييره في حنوطه وكان يحملها حيث سار مع أكفانه توقعا لحلول منيته وقد كان اتخذ الأكفان من أطيب مكسبه من الضيعة الموروثة عن أبيه وغزل بناته وكان يسأل الله تعالى أن يتوفاه في طريق الجهاد فكان كذلك وكان متسما بصحة باطنه واعترافه بذنبه وخوفه من ربه وكثرة جهاده وإذا ذكر بالله ذر وإذا خوف من عقابه ازدجر ولم يزل متنزها عن كل ما يفتتن به الملوك سوى الخمر لكنه أقلع عنها قبل موته بسنتين وكان عدله في الخاصة والعامة وبسط الحق على الأقرب فالأقرب من خاصته وحاشيته أمرا مضروبا به المثل .

ومن عدله أنه وقف عليه رجل من الامة بمجلسه فنادى يا ناصر الحق إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك وأشار إلى الفتى صاحب الدرقة وكان له فضل محل عنده ثم قال وقد دعوته إلى الحاكم فلم يأت فقال له المنصور أوعبد الرحمن بن فطيس بهذا العجز والمهانة كنا نظنه أمضى من ذلك اذكر مظلمتك يا هذا فذكر الرجل معاملة كانت جارية بينهما فقطعها من غير نصف فقال المنصور ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية ثم نظر إلى الصقلبي وقد ذهل عقله فقال له ادفع الدرقة إلى فلان وانزل صاغرا وساو خصمك في مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك ففعل ومثل بين يديه ثم قال لصاحب شرطته الخاص به خذ بيد هذا الفاسق الظالم وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره ففعل ذلك وعاد الرجل إليه شاكرا فقال له المنصور قد انتصفت أنت اذهب لسبيلك وبقي انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي فتناول الصقلبي بأنواع من المذلة وأبعده عن الخدمة .

ومن ذلك قصة فتاه الكبير المعروف بالبورقي مع التاجر المغربي فإنهما تنازعا في خصومة توجهت فيها اليمين على الفتى المذكور وهو يومئذ أكبر خدم المنصور وإليه أمر داره وحرمه فجافع الحاكم وظن أن جاهه يمنع من إحلافه فصرخ بالمنصور في طريقه إلى الجامع متظلما من الفتى وقبض نعمته منه ونفاه ومن ذلك قصة محمد فصاد المنصور وخادمه وأمينه على نفسه فإن المنصور احتاجه يوما إلى الفصد وكان كثير التعهد له فأنفذ رسوله إلى محمد فألفاه الرسول محبوسا في سجن القاضي محمد بن زرب لحيف ظهر منه على امرأته قدر أن سبيله من الخدمة يحميه من العقوبة فلما عاد الرسول إلى المنصور بقصته أمر بإخراجه من السجن مع قريب من رقباء السجن يلزمه إلى أن يفرغ من عمله عنده ثم يرده إلى محبسه ففعل ذلك على ما رسمه وذهب الفاصد إلى شكوى ما ناله فقطع عليه المنصور وقال له يا محمد إنه القاضي وهو في عدله ولو أخذني الحق ما أطقت الامتناع منه عد إلى محبسك أو اعترف بالحق فهو الذي يطلقك فانكسر الحاجم وزالت عنه ريح العناية وبلغت قصته للقاضي فصالحه مع زوجته وزاد القاضي شدة في أحكامه .

وقال ابن حيان إنه كان جالسا في بعض الليالي وكانت ليلة شديدة البرد والريح والمطر فدعا بأحد الفرسان وقال له انهض الآن إلى فج طليارش وأقم فيه فأول خاطر يخطر عليك سقه إلي قال فنهض الفارس وبقي في هرم على حمار له ومعه واقفا على فرسه إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له ومعه آلة الحطب فقال له الفارس إلى أين تريد يا شيخ فقال وراء حطب فقال الفارس في نفسه هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يسوق حطبا فما عسى أن يريد المنصور منه قال فتركته فسار عني قليلا ثم فكرت في قول المنصور وخفت سطوته فنهضت إلى الشيخ وقلت له ارجع إلى مولانا المنصور فقال له وما عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي سألتك بالله أن تتركني لطلب معيشتي فقال له الفارس لا أفعل ثم قدم به على المنصور ومثله بين يديه وهو جالس لم ينم ليلته تلك فقال المنصور للصقالبة
المزيد


…سيره ملك الأندلس المنصور بن أبي عامر… الجزء الاول

مارس 17th, 2008 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

…سيره ملك الأندلس المنصور بن أبي عامر…

(( من هــو ؟ ))

ترجمة الملك الأعظم المنصور أبي عامر محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر ابن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري من قرية تركش وعبد الملك جده هو الوافد على الأندلس مع طارق في أول الداخلين من العرب وأما المنصور فقد ذكره ابن حيان في كتابه المخصوص بالدولة العامرية والفتح في المطمح والحجاري في المسهب والشقندي في الطرف وذكر الجميع أن أصله من قرية تركش وأنه رحل إلى قرطبة وتأدب بها ثم اقتعد دكانا عند باب القصر يكتب فيه لمن يعن له كتب من الخدم والمرافعين للسلطان إلى أن طلبت السيدة صبح أم المؤيد من يكتب عنها فعرفها به من كان يأنس إليه بالجلوس من فتيان القصر فترقى إلى أن كتب عنها فاستحسنته ونبهت عليه الحكم ورغبت في تشريفه بالخدمة فولاه قضاء بعض المواضع فظهرت منه نجابة فترقى إلى الزكاة والمواريث بإشبيلية وتمكن في قلب السيدة بما استمالها به من التحف والخدمة ما لم يتمكن لغيره ولم يقصر مع ذلك في خدمة المصحفي الحاجب إلى أن توفي الحكم وولي ابنه هشام المؤيد وهو ابن اثنتي عشرة سنة فجاشت الروم فجهز المصحفي ابن أبي عامر لدفاعهم فنصره الله عليهم وتمكن حبه من قلوب الناس وكان جوادا عاقلا ذكيا استعان بالمصحفي على الصقالبة ثم بغالب على المصحفي وكان غالب صاحب مدينة سالم وتزوج ابن أبي عامر ابنته أسماء وكان اعظم عرس بالأندلس واستعان بجعفر ابن علي بن حمدون على غالب ثم بعبد الرحمن بن محمد بن هشام التجيبي على جعفر وله في الحزم والكيد والجلد ما أفرد له ابن حيان تأليفا وعدد غزواته المنشاة من قرطبة نيف وخمسون غزوة ولم تهزم له راية وقبره بمدينة سالم في أقصى شرق الأندلس ومن شعره :

رميت بنفسي هول كل عظيمة وخاطرت والحر الكريم يخاطر

وما صاحبي إلا جنان مشيع وأسمر خطي وأبيض باتر

فسدت بنفسي أهل كل سيادة وفاخرت حتى لم أجد من أفاخر

وما شدت بنيانا ولكن زيادة على ما بنى عبد المليك وعامر

رفعنا المعالي بالعوال حديثه وأورثناها في القديم معافر

وإني لزجاء الجيوش إلى الوغى أسود تلاقيها أسود خوادر

(( ترجمة ابن أبي عامر في المطمح))

وقال في المطمح في حق ابن أبي عامر إنه تمرس ببلاد الشرك أعظم تمرس ومحا من طواغيتها كل تعجرف وتغطرس وغادرهم صرعى البقاع وتركهم أذل من وتد بقاع ووالى على بلادهم الوقائع وسدد إلى أكبادهم سهام الفجائع وأغص بالحمام أرواحهم ونغص بتلك الآلام بكورهم ورواحهم ومن أوضح الأمور هنالك وأفصح الأخبار في ذلك أن أحد رسله كان كثير النتياب لذلك الجناب فسار في بعض مسيراته إلى غريسية فلا منتزه إلا مر عليه متفرجا ولا منزل إلا سار عليه معرجا فحل في ذلك أكثر الكنائس هالك فبينا هو يجول في ساحتها ويجيل العين في مساحتها إذ عرضت له امرأة قديمة الأسر قويمة على طول الكسر فكلمته وعرفته بنفسها وأعلمته وقالت له أيرضى المنصور أن ينسى بتنعمه بوسعها ويتمتع بلبوس العافية وقد نضت لبوسها وزعمت أن لها عدة سنين بتلك الكنيسة محبسة وبكل ذل وصغار ملبسة وناشدته الله في إنهاء قصتها وإبراء غصتها واستحلفته بأغلظ الأيمان وأخذت عليه في ذلك اوكد مواثيق الرحمن فلما وصل إلى المنصور عرفه بما يجب تعريفه به وإلامه وهو مصغ إليه حتى تم كلامه فلما فرغ قال له المنصور هل وقفت هناك على أمر أنكرته أم لم تقف على غير ما ذكرته فأعلمه بقصة المراة وما خرجت عنه إليه وبالمواثيق التي أخذت عليه فعتبه ولامه على أن لم يبدأ بها كلامه ثم أخذ للجهاد من فوره وعرض من ممن الأجناد في نجده وغوره وأصبح غازيا على سرجه مباهيا مروان يوم مرجه حتى وافى ابن شانجة في جمعه فأخذت مهابته ببصره وسمعه فبادر بالكتاب إليه بتعرف ما الجلية ويحلف له بأعظم ألية أنه ما جنى ذنبا ولا جفا عن مضجع الطاعة جنبا فعنف أرساله وقال لهم كان قد عاقدني أن لا يبقى ببلاده مأسورة وما مأسور ولو حملته في حواصلها النسور وقد بلغني بعد بقاء فلانة المسلمة في تلك الكنيسة ووالله لا أنتهي عن أرضه حتى أكتسحها فأرسل إليه المرأة في اثنتين معها وأقسم أنه ما أبصرهن ولا سمع بهن وأعلمه أن الكنيسة التي أشار بعلمها قد بالغ في هدمها تحقيقا لقوله وتضرع إليه في الأخذ فيه بطوله فاستحيا منه وصرف الجيش عنه وأوصل المرأة إلى نفسه وألحف توحشها بأنسه وغير من حالها وعاد بسواكب نعماه على جدبها وإمحالها إلى قومها وكحلها بما كان شرد من نومها انتهى .

وقال في المطمح أيضا في حقه ما نصه فرد نابه على من تقدمه وصرفه واستخدمه فإنه كان أمضاهم سنانا وأذكاهم جنانا وأتمهم جلالا وأعظمهم استقلالا فآل أمره إلى ما آل وأوهم العقول بذلك المآل فإنه كان آية الله في اتفاق سعده وقربه من الملك بعد بعده بهر وتملك فما خفق بأرضه لواء عدو بعد خمول كابد منه غصصا وشرقا وتعذر مأمول طارد فيه سهرا وأرقا حتى أنجز له الموعود وفر نحسه أمام تلك السعود فقام بتدبير الخلافة وأقعد من كان له فيها إنافة وساس الأمور أحسن سياسة وداس الخطوب بأخشن دياسة فانتظمت له الممالك واتضحت به المسالك وانتشر الأمن في كل طريق واستشعر اليمن كل فريق وملك الأندلس بضعا وعشرين حجة لم تدحض لسعادتها حجة ولم تزخر لمكروه بها لجة لبس فيه البهاء والإشراق وتنفست عن مثل أنفاس العراق وكانت أيامه أحمد أيام وسهام بأسه أسد سهام غزا الروم شاتيا وصائفا ومضى فأوغل في تلك الشعاب وتغلغل حتىراع ليث الغاب ومشى تحت أوليته صيد القبائل واستجرت في ظلها بيض الظبا وسمر الذوابل وهو يقتضي الأرواح بغير سوم وينتضي الصفاح على كل روم ويتلف من لا ينساق للخلافة وينقاد ويخطف منهم كل كوكب وقاد حتى استبد وانفرد وأنس إليه من الكاعة ما نفر وشرد وانتظمت له الأندلس بالعدوة واجتمعت في ملكه اجتماع قريش بدار الندوة ومع هذا لم يخلع اسم الحجابة ولم يدع السمع لخليفته والإجابة ظاهر يخالفه الباطن واسم تنافره مواقع الحكم والمواطن وأذل قبائل الأندلس بإجازة البرابر وأخمل بهم أولئك الأعلام الأكابر فإنه قاومهم بأضدادهم واستكثر من أعدادهم حتى تغلبوا على الجمهور وسلبوا عنهم الظهور ووثبوا عليهم الوثوب المشهور الذي أعاد أكثر الأندلس قفرا يبابا وملأها وحشا وذئابا وأعراها من الأمان برهة من الزمان وعلى هذه الهيئة فهو وابنه المظفر كانا آخر سعد الأندلس وحد السرور بها والتأنس وغزواته فيها شائعة الأثر رائعة كالسيف ذي الأثر وحسبه وافر ونسبه معافر وكانت أمه تميمة فحاز الشرف بطرفيه والتحف بمطرفيه ولذا قال القسطلي فيه :

تلاقت عليه من تميم ويعرب شموس تلالا في العلا وبدور

من الحميريين الذين أكفهم سحائب تهمي بالندى وبحور

وتصرف قبل ولايته في شتى الولايات وجاء من التحدث بمنتهى أمره بآيات حتى صح زجره وجاء بصبحه فجره تؤثر عنه في ذلك أخبار فيها عجب واعتبار وكان أديبا محسنا وعالما متفننا فمن ذلك قوله يمني نفسه بملك مصر والحجاز ويستدعي صدور تلك الأعجاز

منع العين أن تذوق المناما حبها أن ترى الصفا والمقاما

لي ديون بالشرق عند الناس قد أحلوا بالمشعرين والحراما

إن قضوها نالوا الأماني وإلا جعلوا دونها رقابا وهاما

عن قريب ترى خيول هشام يبلغ النيل خطوها والشآما

((دهاء المنصور ووصوله إلى الحجابة بعد إقصاء المصحفي))

قال ابن بسام نقلا عن ابن حيان إنه لما انتهت خلافة بني مروان بالأندلس إلى الحكم تاسع الأئمة وكان مع فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الإخوة وفتيان العشيرة ومن كان ينهض بالأمر ويستقل بالملك قال ابن بسام وكان يقال لا يزال ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء فإذا انتقل إلى الإخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم ولعل الحكم لحظ ذلك فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة وكان فائق قد قال له إن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصحفي فقال له جؤذر ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا فقال له هو والله ما أقول لك ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا إليه الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة فقال لهما المصحفي وهل أنا إلا تبع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر فشرعا في تدبير ما عزما عليه .

وخرج المصحفي وجمع أجناده وقواده ونعى إليهم الحكم وعرفهم مقصود جؤذر وفائق في المغيرة وقال إن بقينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدلنا فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإنفاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله فوافاه ولا خبر عنده فنعى إليه الحكم أخاه فجزع وعرفه جلوس ابنه هشام في الخلافة فقال أنا سامع مطيع فكتب إلى المصحفي بحاله وما هو عليه من الاستجابة فأجابه المصحفي بالقبض عليه وإلا وجه غيره ليقتله فقتله خنقا فلما قتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم .

افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرش وكان ذلك من أول ما استحسن منه وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتجان للأموال وعارضه محمد بن أبي عامر فتى ماجد أخذ معه بطرفي نقيض بالبخل جودا وبالاستبداد أثرة وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة وقوي على أمره بنظره في الوكالة وخدمته للسيدة صبح أم هشام وكانت حاله عند جميع الخدم أفضل الأحوال بتصديه لمواقع الإرادة ومبالغته في تأدية لطيف الخدمة فأخرجت له أم هشام الخليفة إلى الحاجب جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي وكان غير متخيل منه سكوتا إلى ثقته فامتثل الأمر وأطلعه على سره وبالغ في بره وبالغ محمد بن أبي عامر في مخادعته والنصح له فوصل المصحفي يده بيده واستراح إلى كفايته وابن أبي عامر يمكر به ويضرب عليه ويغري به الحرة ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس ويقضي حوائجهم ….

ولم يزل على ما هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي وهوى نجمه وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر ومنع أصحاب الحكم وأجلاهم وأهلكهم وشردهم وشتتهم وصادرهم وأقام من صنائعهم من استغنى به عنهم وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة قال ابن حيان وجاشت النصرانية بموت الحكم وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة وكان مما أتى عليه أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سد نهرهم لما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو ولم تقع حيلته

المزيد


قـــلاع صــــلاح الديـن.. عمـــــــارة وحضــــــارة

مارس 17th, 2008 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

قـــلاع صــــلاح الديـن.. عمـــــــارة وحضــــــارة

 

 

بقلم : أحمد أبو زيد

  تعتبر القلاع من أهم المنشآت الدفاعية التي ظهرت في العصور الوسطى، وخاصة في العصر الأيوبي الذي ازدهرت فيه العمارة الحربية والدفاعية، ولا سيما القلاع والأبراج والأسوار، وانتشرت في الكثير من المدن العربية والإسلامية، وكانت القلاع تبنى على تلال وجبال مرتفعة وتطل على المدينة لتحقق لها هدف الدفاع والتحصين ضد المعتدين، وقد اهتم بها الحكام والسلاطين، وتسابقوا في تشييدها وعمارتها حتى غدت من المعالم الأثرية البارزة للحضارة الإسلامية في عصور القوة، والتي لا تزال قائمة حتى اليوم في بعض المدن الإسلامية لتشهد على ما وصلت إليه العمارة الدفاعية خلال العصور السابقة من تقدم وشموخ وازدهار.

 

 

القلاع من أهم الآثار المعمارية العسكرية في العالم

 

  وكان اختيار مكان القلعة يتم بشكل دقيق بحيث تحتل أعلى موقع في المدينة، لتمكن حاميتها من الجنود الدفاع عن المدينة ضد الغارات الخارجية المحتملة، كما كانت هذه القلاع تستخدم كمقر للحكم، حيث يسكنها الحكام من الملوك والسلاطين والأمراء، ومعهم عائلاتهم وجنودهم.

  والبطل المسلم صلاح الدين الأيوبي ممن اهتموا ببناء القلاع واتخذها وسائل تحصين ودفاع في أكثر من قطر إسلامي وخاصة مصر وبلاد الشام التي مازالت تضم هذه القلاع حتى اليوم، وتعتني بها من حيث الرعاية والترميم باعتبارها أثراً تاريخياً ومعلماً سياحياً مهماً يجذب الكثير من السياح من مختلف دول العالم.

 

قلعة الجبل بالقاهرة

 

تضم مصر قلعتين من القلاع التي بناها صلاح الدين وحملت اسمه ضمن مجموعة من القلاع الحربية التي شيدت في عصور مختلفة مثل العصر الأيوبي والمملوكي والعثماني، وأشهرها قلعة الجبل بالقاهرة، التي أنشأها السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1176م، في بداية العصر الأيوبي، وهو العصر الذي ازدهرت فيه العمارة الحربية من قلاع وأسوار.

وتقع هذه القلعة الشامخة فى حي "القلعة" وقد أقيمت على إحدى الربى المنفصلة عن جبل المقطم على مشارف مدينة القاهرة، وتعتبر من أفخم القلاع الحربية التى شيدت فى العصور الوسطى فموقعها استراتيجي من الدرجة الأولى بما يوفره هذا الموقع من أهمية دفاعية لأنه يسيطر على مدينتي القاهرة والفسطاط، كما أنه يشكل حاجزاً طبيعياً مرتفعاً بين المدينتين .

  وقد أسس صلاح الدين هذه القلعة على ربوة من جبل المقطم، وأكمل بناءها أخوه الملك العادل عام 1208م، بهدف تأمين القاهرة ضد الغزوات المحتملة، فعندما دخل صلاح الدين القاهرة أدرك بحسه الحربي عدم وجود قلعة تحميها من الأخطار، وتكون مقراً لحاكم مصر، ولذا أمر وزيره بهاء الدين قراقوش ببناء هذه القلعة، وأقيمت بنفس التصور المعماري لقلاع سوريا، وظلت هذه القلعة مقراً للحكم في مصر منذ عام 1208م إلى عام 1874م، وهو تاريخ بناء قصر عابدين على يد الخديوي إسماعيل حيث نقل مقر الحكم إليه.

وقد وفق صلاح الدين تماماً في اختيار مكان القلعة، إذ إنها بوضعها المرتفع حققت الإشراف على القاهرة إشرافاً تاماً، لدرجة أن حاميتها كانت تستطيع القيام بعمليتين حربيتين في وقت واحد، هما إحكام الجبهة الداخلية وقطع دابر من يخرج منها عن طاعة السلطان، ومقاومة أي محاولات خارجية للاستيلاء على القاهرة.

  ويعتبر السور الذي أقامه صلاح الدين حول القاهرة للدفاع عنها ضد أي اعتداء خارجي، من المنشآت الحربية المهمة التي أكملت دور القلعة في العصور الوسطى، وهو السور الذي تم اكتشافه مؤخراً، فبعد أن تولى صلاح الدين (1171 - 1193م) حكم مصر اهتم بعمران المنطقة الواقعة خارج القاهرة الفاطمية بين باب زويلة وجامع أحمد بن طولون، وقسمها إلى خطوط عدة بينها خط الدرب الأحمر الذي لايزال يعرف بهذا الاسم حتى اليوم. ويتصدر هذه المنطقة جامع الصالح طلائع بن رزيك الذي يعتبر آخر أثر من عصر الفاطميين في مصر.

  وفي عام 1176م بدأ صلاح الدين في بناء هذا السور حول القاهرة بعد اتساعها العمراني في بداية عهده وظل السور لسنوات طو

المزيد


كندة

يونيو 19th, 2007 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

كندة :

أحد قبائل العرب منمن اليمنية، وتنسب قبيلة كندة إلى : ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن يشجب بن زيد بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام .

ولقب ثور بن عفير بكندة لأنه كند نعمة أباه وتبع أخواله ، وعرفت كندة ( بكندة الملوك ) لما تشغله من مركز القوة والصدارة وتولي الحكم.

ملوك كندة والأماكن التي حكموها

بعد أن هاجرت قبائل كندة بعد انهيار سد مأرب وانتشروا في الجزيرة العربية وأصبح لهم ثلاث مناطق لهم القوة والنفوذ فيها، فكان ابن الجون الكندي معاوية بن عمر بن حجر الزعامة في البحرين، كذلك كان لهم حكمهم في الحجاز ونجد وتولى حجر آكل المرار بن عمر بن معاوية كذلك بنو الأشرس بن ثور بن كندة من قبائل الصدف والسكون وتجيب كانت لهم نفوذهم بحضرموت بعد أن تغلبوا على الدولة الحميرية وكان ذلك بعد أن ضعفت الدولة الحِمْيَرية واستطاعت قبائل كندة من مزاحمتهم في أراضيهم والسيطرة عليها .

وقد قويت سيطرة قبائل كندة على حضرموت بعد قتل ابن الجون الكندي يوم شعب جبلة (1) انتقل سبعا وثلاثين ألف من قبائل كندة إلى حضرموت .والمفهوم أن ذلك لم يكن إلا لأنهم رأوا لهم بحضرموت ظهراً وملجأ يمتون إليه بلحمة النسب وأواصر القرابة . وهم السكاسك والسكون .ومن هذا العهد الذي أرخ بنهاية الدولة الحميرية سنة 525م استطاعت كندة أن تقيم مملكتها في حضرموت ومنها بدأ اتساع دولة كندة وامتد سلطانها إلى الحجاز ونجد والعراق والشام والحيرة. وقد كانت لكندة بحضرموت صلات وعلاقات متينة بينهم وبين إخوانهم من أفراد القبائل الكندية فقويت شوكتهم وعلا شأنهم . وقد استطاعت قبائل كندة من إزاحة قبائل حضرموت الحميرية التي كان لها ملك تقارب ملك التبابعة إلى اليمن بعد حروب هائلة أسفرت عن هجرة إلى أرض اليمن واختصاص كندة بحضرموت. ملوك كندة عرفت كندة لدى الإخبار يين ( بكندة الملوك ) ربما لأن الملك كان لهم على بادية الحجاز من بني عدنان (2) حيث أنهم نصبوا أولادهم على القبائل ولأنهم كانوا يتعززون بنسبهم إلى كندة وإلى آكل المرار وذلك لأنهم كانوا ملوكاً ولأنهم ساسوا العباد وتمكنوا من البلاد. ومملكة كندة كانت أقرب ما تكون اتحاداً فيدرالياً قبلياً تشغل فيه قبيلة كندة مركز القوة والصدارة وتتولى فيه الحكم أسرة من أسرها (3).

الأول : مرتــع بن معـاوية بن ثـور: واسمه عمرو ولقب بمرتع لأنه كان يقال له ارتعنا في أرضك فيقول قد أرتعت مكان كذا وكذا. ويقول المؤرخ اليعقوبي : هو أول ملوك كندة بعد أن تأسست في حضرموت فملك عشرين سنة ، ثم ملك ابنه ثور بن مرتع إلا أنه لم يلبث إلا يسيراً حتى مات، فملك بعده معاوية بن ثور وبعده الحارث بن معاوية بن ثور ودام ملكه أربعين سنة، ثم ملك وهب بن الحارث عشرين سنة .

الثاني : حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية . كان ملكهُ عشرين سنة وهو الذي حالف بين كندة وربيعة العدنانية وكان محالفهم بالذنائب، وآكل المرار هو أول من دانت له الرقاب وذللت له الصعاب واتسع نطاق ملكه بجزيرة العرب حتى كان لكندة الملك باليمن والحجاز والبحرين والمشقر ودومة الجندل ونجران وغمر ذي كندة واليمامة وغيرها .

إن السبب الذي اتسع به ملك حجر هو ما ذكره الكثير كابن خلدون من أن حجر آكل المرار كان أخا حسان بن تُـبّـع لأمه فلما دوّخ حسان بلاد العرب وسار في الحجاز وهم ّ بالانصراف ولّى على معد بن عدنان كلها أخاه حجر بن عمرو هذا وهو آكل المرار فدانوا له، وسار فيهم أحسن سيرة. ذكر هذا ابن خلدون نقلاً عن الطبري عن هشام بن محمد الكلبي وما ذكره أبو الفرج الأصبهاني قال : أخبرني بخبره - يعني آكل المرار - محمد بن الحسن بن دريد إجازة قال : حدثني عمي عن ابن الكلبي عن أبيه، عن الشرقي بن القطامي، قال أقبل تبع أيام سار إلى العراق فنزل بأرض معد، فاستعمل عليهم حجر بن عمرو وهو آكل المرار فلم يزل ملكاً حتى خرف وله من الولد عمرو، وهو المقصور ومعاوية وهو الجون (4) ولقد ذكر المؤرخون أنه في أواخر القرن الخامس للميلاد اتجه حجر بن عمرو إلى قلب نجد وانتزع جانباً من الأرض التي كانت تحت سيطرة المناذرة ثم نزل مكان يدعى بطن عاقل (جنوب وادي الرمة على الطريق بين مكة والبصرة ) (5).

وحجر هذا هو حجر بن عمرو بن معاوية بن ثور بن مرتع (6) وحجر في معظم الروايات هو أول ملوك كندة منذ أن نزل ببطن عاقل (7) وكان السبب تملكه بنجد أن سفهاء بكر بن وائل كانوا قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم على الأمر وأكل القوي الضعيف فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكون عليهم ملكاً يأخذ للضعيف، من القوي، فنهاهم العرب، وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه قد يطيعه قوم ويخالفه آخرون فساروا إلى بعض تبابعه اليمن وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين وطلبوا منه أن يملك عليهم ملكاً فملك عليهم حجر بن عمرو آكل المرار فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل، فلما مات صار عمرو بن حجر آكل المرار وهو المقصور ملكاً بعد أبيه (8)، ولقد عرف حجر بن عمرو بآكل المرار وسمي آكل المرار أن بعض أمراء غسان خالفه في بعض غزواته فاكتسح له مالاً وسبى له جارية وأوغلوا بالجارية يريدون المال خوف التبع، فأقبلت الجارية تلفت، فقيل لها ما تلفتك؟ فقالت : كأنني بحجر قد كر بكم، فاغراً فاه كأنه جمل أكل مراً فلم يلبس أن لحق على تلك الهيئة فسمي آكل المرار (9).

ويعللون ذلك : أن حجراً قد سار بقبائل ربيعة لغزو البحرين فعلم بذلك (زيادة بن الهبولة) من سليح بن حلوان من قضاعة، فأغار على غمر كندة وقتل من وجد من الرجال، واستولى على الأموال وسبى النساء ومن بينهم هند زوج حجر نفسه، وما أن علم بهذا الأمر، حتى أسرع فأدرك زياد عند (البردان) فنزل على ماء يقال له (الحفير) على مقربة من عين أباغ بين الفرات والشام، وأرسل رجالاً ليأتوه بخبر زياد وهنا يعلم - عن طريق رجل يقال له سدوس أن هنداً إنما راضية عما حدث وأنها قد أجابت زياداً عندما سألها عن موقف حجر إنه والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر- يعني قصور الشام - وكأنني به في فوارس من بني شيبان، يذمرهم ويذمرونه، وهو شديد الكلب تزيد شفتاه كأنه بعير أكل مرار، فالنجاء النجاء، فإن وراءك طلباً حثيثاً، وجمعاً كثيفاً، وكيداً متيناً ورأياً صليباً وما أن ينتهي (سدوس) من روايته حتى يعبث حجر بالمرار ويأكل منها، غضباً وأسفاً، ولا يشعر أن يأكله من شدة الغضب فسمي يومئذ بآكل المرار. وقد ذكر أن حجر أغار عليهم واسترد ماله وقتل هند غيرة عليها مما قالت لابن هبولة (10).

الثالث : عمرو المقصور الكندي : هو عمرو بن حجر بن عمرو (11) تولى الملك بعد أبيه وعرف بالمقصور لأنه قصر على ملك أبيه (12) أي اكتفى بما تركه له أبوه من الملك ثم لم يتلقب بلقب ملك بل اكتفى أيضاً بأن يدعى سيد كندة. وتولى معاوية الجون (الأسود أخو عمرو اليمامة) وحسنت سياسة عمرو المقصور نحو اليمن فتزوج بنتاً لحسان بن تبع أسعد الأكبر وحسنت صلاته بالغساسنة فتزوج هند الهنود بنت ظالم بن وهب (وكانت أختها ماريا زوجة للحارث الأكبر الغساني فيما قبل) ثم تقرب إلى القبائل التي كان يحكمها في نجد فتزوج أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني من بكر بن وائل(13).

وكذلك كانت صلات عمرو المقصور بالمناذرة حسنة فقد تزوج الأسود ابن المنذر ملك الحيرة بنتاً لعمرو فولدت له النعمان بن الأسود الذي حكم الحيرة أربع سنوات (499-403) (14) وظلت اليمن تعين آل كندة على حكم نجد، ولكن آل كندة كانوا يضعفون في ذلك الحين وظهر وائل بن ربيعة المعروف بكليب وائل في بني تغلب فانتزع من عمرو المقصور السيطرة على جميع قبائل ربيعة بن نزار فلم يبق لعمرو سلطان إلا على كندة وحدها، كما كان الشأن قبل أيام حجر والد عمرو ويبدو أن قبائل ربيعة انحازت إلى كليب من تلقاء نفسها(15). وفي رواية في المفصّل تاريخ العرب قبل الإسلام دكتور جواد : أن ربيعة حينما قصرت عمرا عن ملك أبيه، استنجد عمرو المقصور (مرثد بن عبد ينكف الحميري) على ربيعة فأمده بجيش عظيم فالتقوا بـ(الفنان)، فشد عامر الجون على عمرو المقصور فقتله (16).ويوجد رواية أخرى أن علاقة عمرو المقصور بالغساسنة كانت علاقة عدائية وأن عمرو إنما كان في أحيان كثيرة يكثر من الإغارة على بلاد الغساسنة، فتلقاه الحارث بن أبي شمر الغساني في إحدى هذه الغارات وهزمه وقتله (17).

الرابع : الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: هو أكبر أبناء عمرو المقصور من ابنة حسان بن تُبّع وفقاً لما رواه ابن الأثير وكان الحارث أقوى ملوك كندة على الإطلاق، وأشدهم بأساً وأكثرهم طموحاً (18) وكان الحارث أشهر ملوك كندة وأعظمهم . وكانت بكر وتغلب في حرب البسوس قد ذهبت بأبطال القبيلتين وشتت جهودهما فاستطاع الحارث أن يعيد سلطان كندة على قبائل ربيعة في نجد وعلى بني أسد وبني كنانة وبني بكر خاصة ثم طمع بغزو التخوم الفارسية والرومية طمعاً بالبلاد التي كان يحكمها المناذرة والغساسنة) (19).

ويذكر الدكتور جواد علي أن قبائل معد لم تعترف برئاسته وبتاجه عليها إلا لما رأته فيه من القوة، وإلا بعد استعمال القوة والعنف مع عدد من القبائل ، فرضيت به ملكاً ما دام قوياً والأمر بيده(20).وقد نجح الحارث في مد نفوذ كندة حتى الحيرة في الفترة من 524م إلى 528م بموافقة كسرى قباذ (21) وقبل أن ينتهي القرن الخامس الميلادي قبل 125ق.هـ كان ملوك اليمن لا يزالون يعينون آل كندة. وكان على عرش فارس قباذ بن فيروز (488م-531م) وفي الحيرة المنذر بن ماء السماء ، وفي الشام الحارث بن جبلة الغساني. وكان إمبراطور الروم أنسطاسيوس الأول (491م-518م) وكانت بلاد الروم خاصة مشغولة بالقلاقل الداخلية وبالمؤامرات على العرش، وبالنزاع الديني الذي كان حرباً كلامية فأصبح حرباً بالسلاح بين الحزب الحاكم والأحزاب الباقية، وكذلك كانت قبائل البلغار والصقالبة قد بدأت تتغلغل في التخوم الشمالية للإمبراطورية (22) ، وكان الحارث بن عمرو قد أرسل (نحو عام497م) جيشاً بقيادة ابنه حجر لغزو فلسطين، ولكن رومانوس (الحاكم الرومي في فلسطين) هزم حجراً ،وقد كان الحارث بن جبلة الغساني قد سار في نحو ذلك الحين إلى غزو فلسطين أيضاً فأسره رومانوس(23).

الحـارث الكندي يحكم الحيرة : ويرجع السبب الذي دعا قباذ إلى استعمال الحارث على الحيرة في رأي ابن الأثير إلى أن مزدك دعا الناس إلى الزندقة في عهد قباذ بن فيروز، فأجابه قباذ إلى ذلك، وأراد قباذ أن يحول المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة معه إلى المزدكية فامتنع عن ذلك، فعزله قباذ ونصب الحارث بن عمرو الذي كان قد أبدى قبولاً للمزدكية(24)، ولما ملك الحارث الكندي الحيرة بين عام (524م-528م) (25) فرق أبناءه في القبائل (جعلهم ملوكاً على القبائل : جعل حجراً (والد امرئ القيس) على بني أسد بن خزيمة وعلى غطفان، وجعل شرحبيل على بكر بن وائل بأسرها وعلى عدد من القبائل الأخرى، وجعل معد يكرب (وكان يلقّب »غلفاء« لأنه كان يغلف رأسه بالطيب) على قيس عيلان وطوائف من غيرهم ،وجعل سلمة على بني تغلب بن وائل والنمر بن قاسط وعلى بني سعد بن زيد مناة من تميم (26)

ويروي ابن خلدون رواية لهشام بن محمد قال فيها أن العرب انتهزوا فرصة ضعف قباذ وتوثبوا على المنذر الأكبر ابن ماء السماء وهو ذو القرنين ابن النعمان بن الشقيقة، فخرج المنذر هارباً منهم حتى مات في إياد (27)، وترك ابنه المنذر الأصغر فيهم، واستدعى عرب الحيرة الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار فملكوه على بكر بن وائل وحشدوا له وقاتلوا معه وكان المنذر قد طلب من قباذ أن يمده بجيش، فامتنع عن مساعدته فكتب المنذر إلى الحارث بن عمرو يطلب منه بأن يسمح له بأن يضمه إليه، فحوله الحارث إليه وزوجه ابنته (28) .. وفي رواية لابن الكلبي أن النعمان بن المنذر بن امرئ القيس لقي مصرعه في المعركة التي دارت بينه وبين الحارث بن عمرو الكندي وأن المنذر ابن النعمان وأمه ماء السماء أفلتا وأصبح الحارث يملك ما كانوا يملكونه ، وطمع الحارث في مد نفوذه في العراق على حساب الفُرس بعد ما رآه من حالة الضعف التي آل إليها ملوكهم، فطمع في ضم إقليم السواد بأرض العراق، فأمر عسكره بأن يقطعوا الفرات ويشنوا الغارة على السواد، فيما وراء الفرات، وبلغ قباذ الخبر، فأدرك أنه قد أصبح تحت رحمة الحارث وأراد أن يدرأه عن نفسه فاستدعاه إليه وأعطاه ستة طساسيج مجاورة للحيرة، فبعث إلى تبع ملك اليمن يطمعه في بلاد الفرس، فلم يتردد عن تلبية رغبته، ونزل الحيرة وحارب تبع وأخوه شمر ذو الجناح كسرى قباذ وهزماه (29).

وقد جاء المنذر الثالث وتتبع الحارث الكندي وأهله حتى أسر اثني عشر أميراً من بني حجر بن عمرو ثم قتلهم في دير بني مرينا- بين دير هند والكوفة في العراق. إلا أن هناك رواية تذهب إلى أن المنذر قد لحق بالحارث في أرض كلب فهرب الحارث تاركاً ماله وإبله فانتهبها المنذر، وأسر ثمانية وأربعين من بني آكل المرار- من بينهم عمرو ومالك ولدي الحارث- فأمر المنذر بهم فقتلوا في ديار بني مرينا (30).

على أن رواية ثالثة تذهب إلى أن الذين قتلوا الحارث إنما هم بني كلب بينما تذهب رابعة أن الحارث خرج يتصيد فرأى جماعة من حمر الوحش فشد عليها وانفرد منها حماراً فتتبعه وأقسم ألا يأكل شيئاً قبل كبده فطلبته الخيل ثلاثة أيام حتى أدركته، وأتى به وقد كاد يموت من الجوع ثم شوي على النار وأطعم من كبده وهي حارة فمات. ولا تخلو الروايات المتعلقة بموت (الحارث) ونهايته من مؤثرات العواطف القبلية التي صبغت كل الأخبار التي يرويها الإخباريون بهذه الصبغة ،فكلب تدعي أنها هي التي قتلته وكندة تنكر ذلك مدعية أنه مات كما يموت سائر الناس وأهل الحيرة يقولون أنهم هم الذين قتلوه في حرب (31). وفي عام 541م (91ق.هـ) توفي قباذ فخلفه ابنه كسرى الأول أنوشروان، ولم يكن على رأي أبيه في المزدكية فأبعد الحارث ثم رد المنذر ابن النعمان إلى حكم الحيرة فلما عاد المنذر إلى عرض الحيرة عزم على الانتقام من الحارث الكندي فتعقبه حتى أسره مع جماعة من أهل بيته ثم قتلهم جميعاً في دير بني مرينا العباديين (نصارى الحيرة)، بين دير هند والكوفة وكان الحارث قد بقي في الحكم نحو خمساً وثلاثين سنة (32) وقد اختلفت الروايات في كيفية وصول الحارث الكندي إلى عرش الحيرة فبعضها يزعم أن ذلك إنما كان بأمر من قباذ نفسه، بعد أن رفض المنذر اعتناق المزدكية ومن ثم فقد حل الحارث مكانه في الحيرة وأن الأخير قد اصطنع المنذر بعد ذلك وزوجه من ابنته هند وأن المنذر قد قبل ذلك بعد أن أصبح لايملك من أسباب القوة ما يعيد إليه عرش الأسلاف، ومنها ما يزعم أن الحارث إنما استولى على عرش الحيرة بحد السيف فقد قتل النعمان بن المنذر، ثم أجبر (قباذ) بعد ذلك أن يزيد من أملاكه فيما وراء الفرات ثم استعان بملوك اليمن الذين حاربوا قباذ فانتصروا عليه وقتلوه ثم استمروا يفتحون البلاد في اتجاه الصين شرقاً والقسطنطينية غرباً(33).

هذا وقد اختلف المؤرخون في مقر الحكم الذي اختاره الحارث الكندي في العراق فذهب رأي إلى أن الحارث كان مقر حكمه في الحيرة عاصمة اللخميين، ثم يرى رأي ثاني أن مقر الحكم كان في (الأنبار) وتقع على مسافة أربعين ميلاً إلى الشمال الغربي من بغداد، على أن هناك رأي ثالث رأى أن الرجل إنما كان سيارة في أرض العرب(34). بينما المؤرخون الذين تحدثوا عن كندة يرون أن الحارث خرج إلى الصيد فاصطاد تيس من الضباء، فأعجزه فآلى أن لا يأكل أولاً إلا من كبده فطلبته الخيل ثلاثاً فأتى بعد ثالثة وقد هلك جوعاً فشوى له بطنه فتناول فلذة من كبده فأكلها حارة فمات (35). ويظهر من الروايات التي رواها أهل الأخبار عن نهاية الحارث أنها قد اختلفت فيما بينها وتضاربت في موضوع نهايته، ويفهم من بيت في ديوان امرئ القيس أن مُلك الحارث قد امتد من العراق إلى عُمان، وكان للحارث زوجات ثلاث هن : أم قطاع بنت سَلَمة بن مالك بن الحارث بن معاوية ، وأسماء ورقية أَمة أسماء، وقد زعم ابن الكلبي أن أم قطاع وأسماء كانتا شقيقتين وأما رقية فكانت أمة لأسماء وقيل أيضاً (هن أخوات فجمعهن جميعاً وزوجه بعض الإخباريين بامرأة أخرى هي (أم أناس) بنت (عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان) وهي والدة عمرو بن الحارث المعروف عندهم بـ(ابن أم أناس) أو ابن أم إياس (36) .

الخامس : أبناء الملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي : أ) - حجر بن الحارث بن عمرو الكندي كان أكثر أبناء الحارث ذكراً عند الإخباريين لأنه كان والد الشاعر امرئ القيس، وكان الحارث قد ولى حجراً على أسد وكنانة المضريتين، أما أسد فكانت مواطنها في زمنه في جنوب جبلي طيئ: أجأ وسلمى، الواقعتين على جانبي وادي الرمّة، ولم يكن حجر يقيم في منازل أسد وكنانة، وإنما كان يقيم بتهامة، ويبدو أنه كان يدرك أنهم يبغضونه ويسعون للتخلص من حكمه لسوء سيرته فيهم(37) ، وكان حجر يبعث رسله كل سنة لطلب الإتاوة، وظل على هذا النحو فترة من الزمن حتى مات أبوه، فانتهز بنو أسد هذه الفرصة وعزموا على القضاء عليه. وكان القائم على بني أسد علباء بن الحارث أحد بني ثعلبة(38)،فلما

المزيد


الإنكشارية.. بداية محمودة ونهاية مفروضة

يونيو 14th, 2007 كتبها alhariir نشر في , مـــــــــــــن التاريخ

الإنكشارية.. بداية محمودة ونهاية مفروضة

(في ذكرى تصفيتها: 9 من ذي القعدة 1240هـ)

 

بقلم :أحمد تمام