رواد الخذلان العربي
كتبهاalhariir ، في 16 فبراير 2009 الساعة: 22:56 م
رواد الخذلان العربي
عبد المحسن هلال
وسط أتون الحرب والدمار في غزة، أثناء جحيم المعركة وتصاعد لهيب المحرقة ودخان المجزرة، مع تساقط الشهداء وتناثر الأشلاء وتطاير الرصاص المصبوب علي أهل غزة، فوجئنا بمن بدأ بنصب المشانق لفصائل المقاومة، فُجعنا بمن فتح ـ ولما تنتهي الحرب بعد ـ حساب الأرباح والخسائر للقول أن المقاومة فعل عبثي كأسلحتها، وأن تصرفاتها براقة تلوث المفاهيم وتعطل جهود التسوية، ذُهلنا بمن يصف الدعم الشعبي العربي للمقاومة في غزة بأنه أزمة وعي برغم أن الأمة لا تجتمع علي باطل. تحت وقع هذا الدمار الشامل في غزة وُجد من يقول أن الهبة الشعبية لنصرة غزة فورة عاطفية، وأن التفريط في الحقوق نزعة عقلانية، وجد من يريد لوي أعناقنا مجددا بتدخل أيد أجنبية في مقاومة غزة، وتشتيت انتباهنا عن أيد محلية ملوثة بدماء أهل غزة.
قد يتجرد الإنسان من وطنيته، قد يتخلى عن هويته، قد يتنازل عن جنسيته، قد يهجر انتماءه، لكن كيف يمكن أن يتجرد الإنسان من إنسانيته؟ الإنسانية في أدنى معانيها هي االعيش بكرامة وحرية، فإذا جاء من يحاول سلبهما، هل يُسكت عنه ويُسلم له؟ إذ جاء من ينهب بيتك ويغتصب أهلك هل تسلم؟ ألا يتناقض الاستسلام مع الإنسانية، ألا يعتبر ذلك استعبادا لناس ولدتهم أمهاتهم أحرارا، هل العيش بذل تحت الظلم حياة، ليس هناك ما يدعى ظلما فإن وقع إما أن تهب فتزيله وإما أن تقبله فلا يصبح ظلما بل إستكانة، فما بالكم بجريمة إنسانية ضد شعب أعزل، هل قتل شعب آمن مسألة فيها نظر ؟ كيف ينكر هؤلاء الكتبة تجار الكلمة تمسك غيرهم بكرامته وحريته وإنسانيته؟
يثرثرون عن انقلاب علي السلطة بينما حماس هي السلطة حسب أنزه انتخابات شرعية عرفتها المنطقة، ويقارنون خسائر المقاومة بمكاسبها الآنية وهذه مراهقة سياسية متأخرة من أناس شاخوا في التحليل السياسي، فصفحات تاريخ دول العالم تشير دوما إلي ضخامة خسائر حركات المقاومة ضد النظم الجائرة. معروف أن بقدرة (إسرائيل)، والفضل لأمريكا، أن تبيد الغزاويين، معلوم أن جيشها من أقوى جيوش العالم، ولكن هل بإمكان القوة أن تنزع حقا وتزرع باطلا، أيفرق هؤلاء بين قوة الحق وحق القوة، هل القوة هي القوة العسكرية فقط؟ فأين قوى الشعب الذي يدعونه رعاع ودهماء، أين صراع الإرادات، أين صراع الحدود والوجود، هل يدركون أنه بمعنى أن نكون أو لا نكون؟ ألم يكن الأجدى استغلال الحدث إعلاميا لتثبيت الحق العربي وتأكيده عالميا، ألم يكن الأولى تنبيه الوعي العربي بحقائق بنيت علي باطل بدلا من تزيفه وتأزيمه بباطل يراد تثبيته حقا.
كانت هناك تهدئة في غزة فمن كان يخرقها منذ بدايتها؟ هل تستقيم تهدئة والمعابر مغلقة والناس تموت جوعا ومرضا؟ هل نسينا أنه احتلال، هل مقاومة المحتل باطل؟ ذلك أمر غزة في سنواتها العجاف فماذا تم في الضفة طوال سنوات أوسلو السمان، هل نقصت نقطة تفتيش واحدة؟ هل توقف القتل والاعتقال والإذلال؟ هل توقف الاستيطان؟ هل تحقق وعد السلطان بدولتين؟ هل توقف الحفر تحت الأقصى الشريف؟ هل توقفت التحفظات علي خارطة الطريق الظالمة؟ ماذا حصدت السلطة طوال هذه المدة، أليس مجرد وعودا عرقوبية؟ ألم يحضر الطرفان إلي مكة المكرمة واتفقا بمبادرة سعودية، فمن الذي انقلب علي عقبيه قبل مغادرة مكة، لماذا لا يتحدثون عن الانقلاب الدحلاني بدلا من تكرار الحديث عن انقلاب غزة؟ لم لا يتحدثون عن الدوران في حلقات التفاوض المفرغة بينما الحقوق والأرض يغتصب المزيد منها كل يوم؟ كيف يلام المتمسك بحقه ويترك المفرط؟ منذ متى تعيد المفاوضات غير المدعومة ما يتم أخذه بالقوة؟
خدعت حرب (إسرائيل) في غزة الكثيرين، غير أن أشرف المخدوعين كان رئيس الوزراء التركي الذي أعلن أنه شعر بالإهانة، رئيس وزراء الأردن بدأ بمراجعة أوراقه وخياراته ومن ضمنها مراجعة علاقة بلاده (بإسرائيل)، وبدلا من سعي الإعلام العربي ونخبه لتطوير موقف أطراف عربية أخرى ما زالت مخدوعة، بدلا من أن يحاول من يحسب علي النخبة استغلال الحدث لتطوير موقف عربي يدعو إلي وقف المفاوضات وطرد السفراء، ورفع الحصار وفتح المعابر، بدلا من الحديث العاقل عن أثر ما يحدث في غزة علي الأمن القومي العربي المهدد، بدلا من التوعية بأثر سلسلة التنازلات علي الأرض العربية المهدرة والحقوق الإسلامية المنهوبة، بدلا من الانشغال بتقوية الجبهة الأمامية بعد ما ثبت صمود وصلابة الجبهة الداخلية، بدلا من المطالبة بالمقاطعة الشعبية ضد بضائع المتحالفين مع العدو لتقوية الموقف الرسمي العربي، بدلا من كل هذا وجد من يطالب النخب بالمساهمة في تسطيح الوعي وتكريس حالة العجز بالإصرار علي عقلانية تسمح بسحق العرب بالمفاوضات تارة وبالمجازر تارات.
وبالرغم من كل هذا فإن ميزان الأرباح والخسائر في صالح المقاومة، فلو دفع شرفاء العرب
وكرام المسلمين الملايين لتوحيد القلوب والموقف لما فلحوا، ها هي ملحمة غزة تحدث المعجزة [ لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم] لو أنفقت حماس وكل فصائل المقاومة مال قارون لتقف معها وضد محتلها كل شعوب العالم لما فلحت، سقوط الخوف وسقوط الجيش الذي لا يقهر مكسب، سقوط بعض الأقنعة وبعض الرموز الزائفة مكسب، عودة الصراع إلي المربع الأول وكما كان قبل ستين عاما برغم كل الحروب وكل التآمر والتواطؤ مكسب، أما المكسب الأعظم فهو سقوط الخيار الأوحد وثبوت أن هناك بدائل أرحب، غير الانبطاح وغير الاستسلام وغير بريق مسلسل التنازلات الخلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقــــــــالات العامة | دوّن الإدراج





























