الدين أفيون الشعوب
كتبهاalhariir ، في 4 أغسطس 2008 الساعة: 21:09 م
بقلم: زهير قوطرش
.
ما دفعني الى كتابة هذا العنوان ،لهذه المقالة ،هي تلك المشاهد الفظيعة التي شاهدتها من على شاشة احدى الفضائيات العالمية،عندما نقلت الحدث بالصوت والصورة،لاحتفالات عاشوراء،وكيف مارس المحتفلون فعل الضرب على الرؤوس والأجساد ،مستخدمين السلاسل الحديدية والسيوف، وكانت مشاهد نزيف الدم مؤلمة لي وانا المسلم إن شاء الله فكيف سيراها من كان علىغير دين الاسلام ،وأكثر ما ألمني مشهد أحد الاباء وهو يقود طفله الصغير الى جانبه ، فيضرب رأسه تارة ويعود ; ليضرب راس الطفل تارة أخرى ….،ثم انتقل المشهد الى الفلبيين ،حيث تم تصوير صلب أحد المسيحيين ،كما صُلب السيد المسيح عليه السلام باعتقادهم ، وكان حدثاً فيه شي من الوحشية واللانسانية الغريبة ،التي لا معنى لها سوى انها من عمل الشيطان. وبعد ذلك انتقل المخرج الى الهند ليصور بعضاً من العادات والطقوس الدينية الهندوسية وغيرها التي لاتقل في فظاعتها ولا أنسانيتها عن غيرها من العادات المشابهة ، ومن ثم الى جدار المبكى وكيف يتدافع اليهود من أجل إرسال رسائل مكتوبة الى الخالق بوضعها في شقوق الجدار لاعتقادهم أن الله عز وجل بحاجة الى كتابة أمنياتهم وتصوراتهم ، وأخيرأ الى مشاهد بعض المسلمين السنة في الباكستان وهم يتدافعون حول قبر أحد الأولياء فقط ليقبلوا الحجر عسى أن يشفع لهم يوم الدين .في هذه اللحظة لاأدري لماذا استحضرت من ذاكرتي مقولة كارل ماركس “الدين أفيون الشعوب” بغض النظر عن كونه إنسانأ كان يؤمن بالفسلفة المادية الذي استمد مبادئها من فلسفة فويرباخ الالماني الاصل والذي هاجم الفلسفة المثالية وبالتالي هاجم الدين لما رآه من موقف الكنيسة ومحاربتها العلم والتقدم ووقوفها الى جانب مضطهدي الفقراء والمساكين (أي كنيسة السلطان) على راي الاستاذ نيازي عز الدين (دين السلطان). وحتى لا أخرج عن سياق الموضوع عدت الى النص الاصلي الذي وردت فيه هذه المقولة ،ولا مانع من ذكره ليقرأه كل من يهتم بأمور الفلسفة و يعمل جاهدا الى الوصول الى حقيقة الدين الصحيح ،. يقول ماركس ” الإنسان هو عالم الإنسان: الدولة،المجتمع.وهذه الدولة وهذا الوعي المقلوب للعالم ،لأنهما خلاصته الموسوعية،منطقة في صيغته الشعبية… موضع اعتزازه الروحي ،حماسته،تكريسه الأخلاقي،تكملته الاحتفالية،عزاؤوه وتبريره الشاملان،إنه التحقيق الوهمي للكائن الانساني،لأن الكائن الانساني لا يملك واقعاً حقيقياً،إذن فالصراع ضد الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضد ذاك العالم الذي يؤلف الدين نكهته الروحية،إن التعاسة الدينية هي في شطر منها،تعبير عن التعاسة الواقعية،الدين زفرة المخلوق المضطهد،روح عالم لا قلب له،كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طردت منها الروح.إنه أفيون الشعوب”
سألت نفسي عن أي دين تحدث ماركس؟ ولو كان حيا اليوم ورأى ما رايت ،ورأى هذا العالم الذي ابتعد عن جوهر الدين الآلهي ،ليصبح أكثر اشراكية من ذي قبل ،ليصبح أكثر مادية وعبودية للبشر والحجر ، ليصبح أكثر ضلالة ووهم ،ماذا عساه أن يقول : بالطبع سيقول “الدين افيون أفيون الشعوب” عن أي دين تحدث ماركس؟ ، عن دين المؤسسات الدينية التي ساهمت بفكرها الظلامي انذاك في تاخر البشرية ،هل كان يقصد بذلك رجال الدين الذين تحالفوا مع الاقطاع ضد الفلاحين ،ومع البرجوازية الاوربية ضد العمال والفلاحين والفقراء متناسين شرع الله ، بناء على ما تقدم فإن نقد الدين عند ماركس ليس المقصود منه إلغاء الدين في ذاته وإنما “تدمير أوهام الانسان لكي يفكر ويفعل ويكيف واقعه بصفته انساناً تخلص من الاوهام ( الدين الذي نقده كان مبنيا على الاوهام)”. وفي كتابه نقد فلسفة الحقوق عند هيغل يطالب ماركس” بالعودة عن نقد الدين الى نقد الحقوق وتجاوز نقد اللاهوت الى نقد السياسة” وبذلك يصبح النقد الماركسي ليس على الدين في المطلق وإنما على نوعية استعمال الاديان في الصراع الاجتماعي.
السؤال المحوري الآن ما هو الدين؟ وعن أي دين تحدث ماركس ؟ وهل اضطلع ماركس على كتاب الله المنزل ليتعرف من خلاله على ماهية الدين الحقيقي؟.
لو سالنا أي إنسان اليوم مهما كانت ديانته، عن الدين ماذا سيقول… الدين هو ديني….المسلم سيعرف الدين أنه دينه الاسلامي، وكذلك المسيحي ،واليهودي، والبوذي…. هذه النظرة الطفولية الى تعريف الدين كانت ومازالت هي السبب في ما نراه ونسمعه عن ممارسات طقوسية وتعبدية وثقافية لاعلاقة لها بالدين أبدا ،لامن قريب ولا من بعيد….أنهم كالطفل لوسالته عن الاب سيقول لك أنه ابي…وكفى!!!! المشكلة أن كل فئة مقتنعة تمام الاقتناع وبشكل مطلق بصحة ما هي عليه من دين من معتقد . الله عز وجل يقول في ذلك ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم”
أنها مأساة وأشكالية البشرية بأجمعها تكاد تكون مغلقة،ليس لها حل!!! أنها الدراما الإنسانية ،دراما اختلاف البشر . يقول الخالق عز وجل ” ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية ما اتبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض” الكل راض بما هوعليه ومصر على أنه يملك الحقيقة المطلقة..
هل يمكننا نحن أهل القرآن بجهودنا هذه ،أن نعيد للدين روحه القرآنية الخالصة، وأن نقشط هذه السطوح والقشور لنصل الى تعريف يقربنا من روح الدين ،ونقدمه لا على أساس أنه أفيون الشعوب المخدر ،بل هو دواء الشعوب المنشط والذي يضمن سعادة الانسان في الدنيا والأخرة ،وبعد ذلك نستطيع أن نقدمه للإنسانية كحل لهذه الاشكالية الكبيرة.
في البداية ،لابد لنا من تعريف الدين كمفهوم ،حتى ننطلق جادين في البحث عن الدين الصحيح ،رغم علمي الأكيد أن تعريف الدين ككلمة مجردة ،حار بها العلماء ،ورجال الفكر ،لكن لنتخطى كل التعاريف ،لنقول “أن كل رؤية كونية أو تصور للوجود هي دين” .
صحيح أن الاديان التوحيدية الابراهيمية التي تنطلق من العلة والهدفية حسب هذا التعريف هي دين .وهي تؤمن ايضاً برسالة الانسان… ،حتى الوثنية هي دين (لكم دينكم ولي دين)،والاديان الشرقية في برمتها هي دين .. لكن السؤال الجوهري ،أين هو الدين الصحيح ؟ وكيف نتعرف عليه في زحمة هذه الاديان الارضية ؟ لهذا لابد لنا من أن نجد منهجا للوصول اليه ،وهذا المنهج يتلخص في أنه ،إذا أردنا أن نتلمس ونتحسس جوهر شيء ما ،حقيقة شيء فلا بد أن نبحث عن رسالته، وكون الدين هو كل تصور وجودي ، وهو كل رؤية كونية حتى ولو كانت وثنية إلحادية هي دين، لكن الاختلاف في رسالة هذا الدين أو ذاك . ففي هذا المقام لابد لنا من العودة الى القرآن الكريم الذي رسم لنا الطريق للوصول الى تعريف الدين الصحيح من خلال رسالته، القرآن الكريم يعلمنا أن الدين جاء الى مخلوق كرمه الله (ولقد كرمنا بني أدم)،وجعل من الانسان عبد الله وخليفته على الارض ،وجعل الناس كلهم أمامه اخوة متساوون ،وكما قال الشيخ محمد عبده رحمة الله عليه مقولته الرائعة”الإنسان عبد الله وحده،سيد لكل شيء بعده” هذه المقولة لو ادركها العالم لكانت بمثابة المفتاح المفقود والرسالة التي نبحث عنها لتعريف الدين. أذن الرسالة لهذا الدين الاسلامي في جوهرها تكمن في عقيدة التوحيد ، وكلنا يعلم أن الدين الذي يرضاه الله عز وجل هو دين الاسلام أي الاستسلام لله بالمطلق والخضوع له…وليس للبشر والحجر… وليس للحكام والاقوياء…الله عز وجل يقول : “إن كثيراً من الاحبار والرهبان لياكلون اموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ” نعم نستطيع أن نقول إن كثيرأ من الاحبار والرهبان وعلماء ومشايخ الدين الاسلامي يصدون عن سبيل الله ،في حال اسقطنا هذه الآية الكريمة على واقعنا الحالي. رسالة الدين الاسلامي جاءت من السماء الى الأرض ،وليس الى السماء ، جاءت لتوازن المادي والروحي في حياة هذا المخلوق المكرم ،رسالة هذا الدين هي الانسان ثم الانسان .هداية وسعادة وراحة ،جاءت لتنقذه من شر الشيطان وشر نفسه…جاءت من أجل تعميق الوحدة الانسانية …وجاءت لحث الانسان على استثمار كل مجالات التسخير …رسالة الدين جاءت لتوحد البشرية وأقول البشرية تحت لواء الدين الواحد من خلال التوحيد الخالص لله وتركت للفعل البشري مساحة واسعة ليتحرك فيها بناء على تحقيق مصالحه.هذه الرسالة هي التي تفي بأكبر قدر ممكن من المفاهيم الكونية العالمية ،والتي تدعم مسيرة الانسان العلمية ،وليس دعمها فحسب بل على تثميرها وإرشادها إذا دعت الحاجة ، عندها نستطيع أن نقول أنها الرسالة التي تفي بكل ما يحتاجه الانسان في دنياه واخرته ،انها الرسالة التي في استطاعة الانسان استيعابها وتفعيلها على واقعه ،الرسالة المقبولة من قبل الانسان العاقل ،لأنها جاءت من رب الانسان.فهل كان ماركس قد اضطلع على رسالة هذا الدين ،هل قرأ ماركس أن الله عز وجل في رسالته وسنته اوجد القدر ،ولكنه ارسل الشرع ايضاً من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية التي نادى بها .هل قرأ ماركس في كتاب الله عز وجل هذا الانسجام مابين الانسان والكون ومع الوجود،هل قرأ ماركس أن الانسان في وحدة مع مخلوقات الكون ،الكون كله يشاركنا العبودية لله والتسبيح له . لقد نقد ماركس الدين الذي جاء برسالة استغلال الانسان للإنسان . لكنه لم يقرأ رسالة القرآن ورسالة هذا الدين التي رفضت عبودية الانسان للإنسان ،وجعلتها عبودية الانسان لرب الانسان.لو قرأ ماركس عن رسالة هذا الدين ،لتغيرت عبارته كون الدين افيون الشعوب ،ولكتب يقول: أن الدين الذي له هذه الرسالة هو سعادة للشعوب. فهل نحن قادرين على تعميم رسالة هذا الدين الصحيح لننقذ البشرية من هلاك محتوم.!!!!!!!!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : المقــــــــالات العامة | السمات:المقــــــــالات العامة
دوّن الإدراج

























